ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
أحداثا ! نعم والله إن أصحابي لشباب مكتهلون ( 1 ) في شبابهم ، غضيضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أقدامهم ( 2 ) ، قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا ، قد خلطوا كلالهم بكلالهم ، وقيام ليلهم بصيام نهارهم ، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار ، وكلما مروا بآية رجاء شهقوا شوقا إلى الجنة ، وإذا نظروا إلى السيوف وقد انتضيت ، وإلى الرماح وقد أشرعت ، وإلى السهام وقد فوقت ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت ، استخفوا وعيدها عند وعيد الله ، وانغمسوا فيها . فطوبى لهم وحسن مآب ! فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية الله ! وكم من يد قد أبينت عن ساعدها ، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا في طاعة الله ! أقول قولي هذا وأستغفر الله ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . وأما الخطبة الثانية ، فقوله : يا أهل المدينة ، مالي رأيت رسم الدين فيكم عافيا ، وآثاره دارسة ! لا تقبلون عظة ، ولا تفقهون من أهله حجة ، قد بليت فيكم جدته ، وانطمست عنكم سنته ، ترون معروفه منكرا ، والمنكر من غيره معروفا ، فإذا انكشفت لكم العبر ، وأوضحت لكم النذر ، عميت عنها أبصاركم ، وصمت عنها آذانكم ، ساهين في غمرة ، لاهين في غفلة ، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر ، وتنقبض عن الحق إذا ذكر ، مستوحشة من العلم ، مستأنسة بالجهل ، كلما وردت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا ، تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة ، فهي لا تلين بكتاب الله ، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيه الله !
--> ( 1 ) مكتهلون ، أي قد أحرزوا رزانة الكهول . ( 2 ) ج : ( أرجلهم ) .